ابن أبي حاتم الرازي

58

كتاب العلل

مع الشرح والتمثيل ، والفرقُ بيِّن واضح لكلِّ من يوازن بينهما . وتقدَّم أنَّ عِلْمَ العللِ مبنيٌّ على أوهام الثقات ، وذكرنا ( 1 ) قولَ شيخ الإسلام ابن تيميّة _ ح : « وكما أنهم يَسْتشهدون ويَعْتبرون بحديثِ الذي فيه سوءُ حفظ ، فإنَّهم أيضًا يضعِّفون مِنْ حديثِ الثقةِ الصدوقِ الضابطِ أشياءَ تبيَّن لهم أنه غَلِطَ فيها ، بأمورٍ يَسْتدلُّون بها ، ويُسَمُّون هذا : " عِلْمَ علل الحديث " ، وهو مِنْ أشرف علومهم ؛ بحيثُ يكون الحديثُ قد رواه ثقةٌ ضابطٌ وغَلِطَ فيه ، وغَلَطُهُ فيه عُرِفَ إمَّا بسببٍ ظاهرٍ أو خفيٍّ » . ولذا ستكونُ هذه الأسبابُ مشمولةً بهذا السبب الأساس ، وهو « أوهام الثقات » ، ومندرجةً تحته ، ومآلها إليه ؛ لأنه السبب الذي تكون به العِلَّةُ غامضةً خَفِيَّة - في الغالب - وإنْ شئتَ فقل : إنها صُوَرٌ لهذا السبب الرئيس ، أو أسبابٌ لوقوعه . أما الأسبابُ التي تكون بها العِلَّة ظاهرة جلِيَّة فليستْ من مقصودنا هنا ؛ كما ذكرنا سابقًا . والثقاتُ يتفاوتون في الحفظ والإتقان ، بالإضافةِ للأسباب المُعِينة لهم على بلوغِ الدرجاتِ العُلْيا من استقامةِ الحديث : فمنهم ثقاتٌ ضابطون ، جبالٌ في الحفظ والإتقان ، هيَّأ اللهُ لهم من الأسبابِ ما جعلهم أئمَّةً في هذا الفن ، يَشْهَدُ لهم به القاصي والداني .

--> ( 1 ) ( ص 10 ) .